ابن عجيبة

241

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال الحق جل جلاله بشارة لهم : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فلا تستعجلوا ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . الإشارة : الجنة حفت بالمكاره ، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف ، فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شئ من المكاره ، فقد رام المحال . قال أبو المواهب : من ادعى شهود الجمال ، قبل تأدبه بالجلال ، فارفضه فإنه دجال . وقال بعض العارفين : [ صيحة العدو سوط اللّه يزجر به قلوب أوليائه لئلا تسكن إلى غيره ] . وفي الحكم : « إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شئ حتى لا تكون ساكنا إلى شئ » . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : [ اللهمّ إنّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزّوا ، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا ] . فتسليط الخلق على أولياء اللّه في بدايتهم سنة ماضية ، وحكمة إلهية ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * . حتى إذا تخلصوا من البقايا ، وكملت فيهم المزايا ، نشر فضيلتهم لعباده ، فأقروهم ليعرفوهم الطريق إلى اللّه ، ويدلوا العباد على اللّه ، بعد أن كساهم حينئذ كسوة الجمال وكسوة الجلال ، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف لهم ، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم . واللّه تعالى أعلم . ولمّا أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره ، سألوا ما الذي ينفقون ؟ ، فبيّن اللّه تعالى لهم المنفق والمحل الذي تدفع فيه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 215 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) قلت : ( ماذا ) إما مفعول ( ينفقون ) ، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد ، أي : ما الذي ينفقونه ، والسائل هو عمرو بن الجموح ، كان ذا مال فقال : يا رسول اللّه ، ماذا ننفق من أموالنا ، وأين نضعها ؟ فنزلت الآية . يقول الحق جل جلاله : يَسْئَلُونَكَ يا محمد ما ذا يُنْفِقُونَ من أموالهم ؟ قُلْ لهم : ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أىّ خير كان ، ذهبا أو فضة أو طعاما أو ثيابا أو حيوانا أو غير ذلك ، فادفعوه للأهمّ فالأهم ؛ كالوالدين والأقربين ؛ لأن فيهم الصلة والصدقة ، وَالْيَتامى الذين مات آباؤهم ؛ لهضم حالهم ، وَالْمَساكِينِ ؛ لضعفهم ، وَابْنِ السَّبِيلِ ؛ لغربته واحتياجه إلى ما يبلّغه إلى وطنه ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يجازيكم به اللّه ، فلا يخفى عليه شئ من أحوالكم ، وهذه النفقة غير الزكاة ، فلا نسخ في الآية . واللّه تعالى أعلم .